مصداقاً للقول السائد بين الناس “أعطني قضاء أعطك دولة ” فدائما ما كانت تقاس قوة الدول وتماسكها بوجود نظام قضائي قوي تخضع له ارجاء الدولة , و حين يقال العدل أساس الملك فهو ليس أساساً للملك فقط بل هو جزء من بنيان الدول وتقدمها , وكما كان ذلك في مصر القديمة تلك الحضارة العظيمة التي كان لها السبق منذ أكثر من سبعة ألاف سنة في ترسيخ قواعد للـنظام القضائي حتي أن تلك الحضارة استمرت ما يزيد عن ثلاثة الاف سنة , ومن ملامح تقدم هذه الحضارة أننا نجد أن امرأة تولت القضاء في ذلك الزمن وهي “نبت إيريت ” وتعد أول امرأة مسجلة في التاريخ تولت منصباً قضائياً , فدائماً ما كانت الأمم والحضارات أساس بقائها واستمرارها هو ترسيخ العدالة من خلال قوانين رادعة تحكم بنظام قضائي قوي , وأستشهد بمقولة تشرشل رئيس وزراء بريطانيا في الحرب العالمية الثانية حينما كانت مؤسسات الدولة تحت القصف قال كلمته الشهيرة إذا كان التعليم والقضاء بخير فبريطانيا لم تهزم بعد.
ويشهد علي بزوغ فجر القانون في مصر القديمة هو مشهد الحساب الشهير المذكور في كتاب الموتى منذ 1370 سنة قبل الميلاد وبالرغم من أن بردية “حونفر” تمثل محاكمته في الحياة الأخرى ألا إنها تقطع بما لابدع مجالا للشك بوجود نظام قضائي في مصر القديمة يحاكي ما يعرف الأن بمفهوم قواعد المحاكمة العادلة , فإذا نظرنا على بداية المشهد نجد روح الميت “حونفر” يقودها أنوبيس للحساب ليقف ممتثلاً أمام الآلهة الأربعة عشر في ساحة الحكم وكأنه يمتثل امام محكمة من الدرجة الأولى وحين لم تكن الدلائل كافية للحكم عليه ,تم إحالة روح “حونفر” إلى الدرجة التالية من درجات التقاضي , حيث يوضع قلب “حونفر ” في ميزان العدل علي اليسار ليوزن في مقابل ريشة الحقيقة “ماعت” علي اليمين , ويقف “حونفر” إله الكتابة مدوناً نتائج الميزان بريشته , ومن زاوية أخري في المشهد نري “أنوبيس ” يقوم بضبط الأوزان , وهنا تأتي المرحلة الثالثة من مراحل التقاضي وهي إما الحكم بالبراءة أو الحكم بالنهاية فإذا علت ريشة ماعت عن قلب “حونفر” كانت براءته وإن كان غير ذلك وهبط قلب “حونفر ” وخفت ريشة ماعت فهذا يعني أن “حونيفر ” قد ارتكب الكثير من الخطايا وهنا يلتهمه رمز الموت “أمت” وهو وحش برأس تمساح وجسد فرس النهر, وحين ظهر أن الراجح كان لريشة الحقيقة “ماعت” وأن “حونفر ” كان قلبه ممتلئ بالخير سمح له بدخول الجنة والوقوف بين يدي”أوز وريس ” .
ومن الملفت للنظر أن تشابهت نظم التقاضي في مصر القديمة مع نظيرتها في العصر الحالي، حيث ظهر ذلك جلياً في المشهد حيث كانت المحاكمة علنية , وكانت تتمتع بالاستقلالية والحياد والنزاهة , وأشارت البردية علي إعطاء الحق لروح حونفر بالدفاع عن نفسه حينما كان ممتثلاً أمام الألهة الأربعة عشر , ولم يتم إنزال أي عقوبة به من دون قرينة قاطعة , وحين لم يستقر يقين المحكمة بالإدانة من عدمه , تم انتقال روح “حونفر”لدرجة أعلي من درجات التقاضي وهي العرض علي الميزان حتي يكون الفيصل في الحكم.
ومما استعرضناه من المشاهد السابقة نري أن مصر القديمة كان لها السبق الأول في التاريخ في وضع نظام قانوني يسعي إلي تحقيق العدالة ومنح الإنسان حقه كاملاً في الدفاع عن نفسه والحصول علي حقوقه، لا فرق بين إنسان اليوم ومن عاش منذ ألاف السنين، وكما شاهدنا كيف كانت لنا الريادة في وضع أسس للمحاكمة العادلة نأمل أن يكون هذا ميراثاً نتناقله جيلاً بعد جيل.





