الإشراف المهدية تحتفل بالمولد النبوي الشريف في منفلوط بمشاركة فرقة الحضرة للإنشاد الديني الجمعة المقبل
سبتمبر 14, 2026
تامر فاروق يدعو رجال الأعمال والمؤسسات المالية لتبني أقسام بمستشفى أطفيح المركزي
سبتمبر 15, 2026

فلك النبوة ومعراج الأرواح.. قراءة في منهج العارف بالله سيدي صلاح الدين القوصي رضي الله عنه

سبتمبر 15, 2026

يقدم تراث العارف بالله سيدي عبد الله صلاح الدين القوصي رضي الله عنه رؤية روحانية متكاملة تقوم على محبة رسول الله ﷺ، والاقتداء به، والإكثار من الصلاة والسلام عليه، باعتبار المحبة المحمدية طريقًا إلى تزكية النفس والارتقاء بالروح.
ولد سيدي صلاح الدين القوصي في منفلوط بمحافظة أسيوط عام 1940، وتوفي عام 2008، وبدأ حياته عالمًا في مجال الكيمياء وخبيرًا دوليًا في التفجيرات، قبل أن يتجه إلى المجال الروحي والعرفاني، ويؤسس منهجًا يقوم على محبة الرسول ﷺ وتوحيد الله تعالى وإحياء معاني العبودية الصادقة.
وخلال مسيرته، ترك إنتاجًا أدبيًا وروحيًا واسعًا، تجاوز ثلاثين مؤلفًا، إلى جانب عشرات الآلاف من الأبيات الشعرية التي توزعت على عدد من الدواوين، من بينها: العشيق، والبريق، والوثيق، ومحمد مشكاة الأنوار، ومحمد الإمام المبين، ومحمد نبي الرحمة.
المحبة المحمدية.. مدرسة في العيان والذوق
لم تكن المحبة عند سيدي صلاح الدين القوصي مجرد عاطفة أو قول، وإنما كانت منهجًا عمليًا يرى أن صدق المحبة يظهر في السلوك والاختيار والاقتداء.
وكان يؤكد أن المحب الصادق يضع رسول الله ﷺ في موضع القدوة الأولى، فيقتدي به في أخلاقه، ورحمته، وعفوه، وحلمه، وسائر أحواله، دون ادعاء أو تكلف.
ومن أبرز معالم هذه المدرسة:
أولًا: الصدق في المحبة
فالمحبة الحقيقية تقتضي تجاوز محبة النفس وأهوائها، وتقديم ما يرضي الله تعالى والاقتداء برسوله ﷺ على نوازع النفس واختياراتها.
ثانيًا: ملازمة باب النبوة بالاتباع
فالسير الروحي لا يقوم على القفز فوق المراحل، وإنما على الاقتداء الدقيق بهدي المصطفى ﷺ، واستحضار سنته في تفاصيل الحياة اليومية، قولًا وعملًا وأخلاقًا.
ثالثًا: دوام الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ
فالصلاة على النبي ﷺ كانت في منهج القوصي من معاني الوصل والمحبة، وليست مجرد ترديد لفظي، وإنما حالة قلبية تستحضر مقام الرسول الكريم وتدفع صاحبها إلى مزيد من الاقتداء به.
لماذا نحب رسول الله ﷺ؟
ينطلق المنهج المحمدي عند القوصي من أن محبة رسول الله ﷺ ليست منفصلة عن محبة الله تعالى، بل هي من مقتضيات الإيمان به واتباع رسالته.
وكان يرى في النبي ﷺ مشكاة للأنوار، ورحمة للعالمين، وقدوة كاملة في السلوك والأخلاق، وأن الوصول إلى رضا الله تعالى يكون من خلال الإيمان برسالته واتباع هديه.
ومن هنا تأتي المحبة باعتبارها طريقًا للتزكية، إذ يتحول حب النبي ﷺ من معنى وجداني إلى سلوك يومي ينعكس على علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالآخرين.
فلك النبوة ومعراج الأرواح
ومن أعمق الصور التي يعبر بها التراث الشعري والروحي لسيدي صلاح الدين القوصي عن علاقته بالمصطفى ﷺ قوله:
«فلكي.. ومعراجي.. بروح المصطفى
فأراه من حولي وفي أعماقي»
وهي صورة شعرية تختصر رؤية كاملة؛ فالنبي ﷺ في الوجدان المحمدي هو مركز الاقتداء، ومنار الهداية، والرحمة التي تهدي السالك في طريقه إلى الله.
فـفلك النبوة هو السير في مدار الهدي المحمدي، ومعراج الأرواح هو الارتقاء بالإنسان من أسر الشهوات والأهواء إلى رحاب الإيمان والتزكية والمحبة.
ومن هنا يصبح الاقتداء بالنبي ﷺ ليس مجرد معرفة تاريخية بسيرته، وإنما محاولة لتحويل سيرته وأخلاقه إلى حضور حي في حياة الإنسان.
الشعر المحمدي.. لغة الوجدان
احتل الشعر مكانة بارزة في تجربة سيدي صلاح الدين القوصي، إذ استخدمه للتعبير عن معاني المحبة والشوق والتعظيم لمقام النبي ﷺ.
وفي دواوينه المحمدية تتكرر صور النور والمشكاة والرحمة والإمام، في محاولة للتعبير عن مكانة الرسول ﷺ في الوجدان الروحي للشاعر ومريديه.
ويأتي ديوان «محمد الإمام المبين» في هذا السياق بوصفه تعبيرًا عن مركزية الاقتداء بالمصطفى ﷺ، باعتباره الإمام والقدوة في طريق الإيمان والأخلاق والرحمة.
الدرس المحمدي.. من القول إلى العمل
يمكن اختصار جوهر المدرسة المحمدية عند سيدي صلاح الدين القوصي في الانتقال من معرفة النبي ﷺ إلى محبته، ومن محبته إلى اتباعه، ومن اتباعه إلى التخلق بأخلاقه.
فالمحبة الصادقة لا تكتفي بالكلمات، وإنما تظهر في الرحمة، والصدق، والعفو، والتواضع، وحسن المعاملة، والإخلاص لله تعالى.
وهكذا يصبح فلك النبوة طريقًا للسير، ويصبح معراج الروح ثمرةً لهذا السير؛ كلما اقترب الإنسان من أخلاق المصطفى ﷺ، ابتعد عن أنانيته، واتسعت فيه معاني الرحمة والعبودية والإحسان.
وفي ختام هذه القراءة، تبقى الرسالة الأبرز في تراث سيدي صلاح الدين القوصي هي الدعوة إلى محبة رسول الله ﷺ محبةً تُثمر عملًا وخلقًا واتباعًا، وأن تكون الصلاة والسلام عليه بابًا لاستحضار سنته، والتعلق بهديه، والسير على طريق العبودية لله تعالى.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.