أصبح البلاستيك جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية، فهو يدخل في صناعة مواد التغليف والملابس والأجهزة الإلكترونية والمعدات الطبية وغيرها من المنتجات التي لاغنى عنها. وتعود شعبيته إلى خصائصها المميزة كالمتانة، وخفة الوزن، وانخفاض التكلفة، ومقاومته للتحلل. إلا أن هذه المزايا نفسها ساهمت في ظهور أحد أخطر التحديات البيئية المعاصرة، وهو التلوث بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة.
الجسيمات البلاستيكية الدقيقة
هي شظايا أو حبيبات بلاستيكية يقل حجمها عن خمسة مليمترات، أي بحجم حبة أرز تقريبًا وبعضها لا يُرى بالعين المجردة. وينشأ جزء منها من الاستخدامات الصناعية أو مستحضرات التجميل، بينما يتكون الجزء الأكبر نتيجة تحلل المخلفات البلاستيكية الكبيرة بفعل أشعة الشمس والعوامل الجوية والتآكل الميكانيكي.
وقد أصبحت هذه الجسيمات اليوم منتشرة في المحيطات والأنهار والبحيرات والتربة والغلاف الجوي، بل وحتى في المناطق النائية التي كانت تُعد بمنأى عن النشاط البشرية.
وتكشف الاحصاءات أن ملايين الأطنان من النفايات البلاستيكية تصل إلى البيئات المائية سنويًا .. ومع مرور الوقت تفقد هذه المخلفات إلى أعداد هائلة من الجسيمات الدقيقة التي تتراكم في البيئة لعقود طويلة بسبب بطء تحللها، مما يجعلها مصدرًا مستمرًا للتلوث يصعب رصده أو التخلص منه.
نشأة الجزيئات البلاستيكية الدقيقة
تنتج هذه الجسيمات من العديد من الأنشطة اليومية، مثل استخدام العبوات والأكياس البلاستيكية أحادية الاستخدام، وألياف الملابس الصناعية، وإطارات السيارات المتآكلة، ومنتجات العناية الشخصية، ومعدات الصيد المهملة.
كما أن محطات معالجة مياه الصرف الصحي، رغم فعاليتها في إزالة جزء من هذه الجسيمات، لا تستطيع منع تسربها بالكامل إلى المجاري المائي .. وقد شهد العالم خلال الأحداثٌ الاستثنائية كجائحة كوفيد-19 زيادة كبيرة في النفايات البلاستيكية نتيجة الاستخدام المكثف للكمامات ومعدات الوقاية الشخصية، التي تحولت مع مرور الوقت إلى مصدر إضافي للجسيمات البلاستيكية الدقيقة.. وتؤدي الأنهار دورًا رئيسيًا في نقل هذه الملوثات من المناطق الداخلية إلى البحار والمحيطات، بينما تسهم الأمطار والرياح ومياه الجريان السطحي في انتشارها لمسافات بعيدة عن مصدرها الأصلي.
أثار الجسيمات البلاستيكية وتهديدها للنظم البيئية وصحة الإنسان
أثار الانتشار الواسع للجسيمات البلاستيكية الدقيقة قلقًا متزايدًا لدى الباحثين والهيئات البيئية حول العالم.
فكثير من الكائنات البحرية، مثل العوالق والمحار والأسماك والطيور والثدييات البحرية، تبتلع هذه الجسيمات ظنًا منها أنها غذاء وقد يؤدي ذلك إلى اضطرابات في الجهاز الهضمي، وانخفاض كفاءة التغذية، والتأثير سلبًا على النمو والتكاثر. ولا يقتصر الخطر على الكائنات البحرية فقط، إذ تنتقل الجسيمات البلاستيكية الدقيقة عبر السلسلة الغذائية لتصل في النهاية إلى الإنسان من خلال المأكولات البحرية ومياه الشرب وبعض الأغذية.
وقد كشفت دراسات حديثة عن وجودها في المياه المعبأة ودم الإنسان وحتى أنسجة المشيمة،وهو ما يعكس مدى انتشارها واتساع نطاق التعرض لها.
وتكمن خطورة هذه الجسيمات أيضًا في قدرتها على امتصاص ونقل ملوثات أخرىمثل المعادن الثقيلة والمبيدات والأدوية والملوثات العضوية الثابتة .. فهي تعمل كـ ” إسفنج كيميائي” يحمل المواد السامة عبر البيئات المختلفة، مما قد يزيد من تأثيراتها الضارة على الكائنات الحية.
كما تحتوي بعض أنواع البلاستيك على إضافات كيميائية مثل الملدنات ومثبطات اللهب، والتي قد تتحرر إلى البيئة وترتبط بآثار صحية وبيئية سلبية.
تحديات إزالة الجزيئات البلاستيكية الدقيقة
نظرًا لصغر حجمها وانتشارها الواسع، تُعد إزالة الجسيمات البلاستيكية الدقيقة من البيئة مهمة معقدة.
وقد اتخذت العديد من الدول إجراءات للحد من التلوث البلاستيكي، مثل حظر بعض المنتجات البلاستيكية أحادية الاستخدام وتقييد استخدام الجسيمات البلاستيكية في مستحضرات التجميل إلا أن الوقاية وحدها لا تكفي لمعالجة الكميات الهائلة الموجودة بالفعل في البيئة. ولهذا السبب، هناكاهتمام بتطوير تقنيات متنوعة لإزالة هذه الجسيمات من المياه، تشمل الترشيح، والفصل الغشائي،والتخثير الكهربائي، والتحلل البيولوجي، والامتزاز.
ورغم فعالية العديد من هذه التقنيات، فإنها تواجه تحديات تتعلق بالتكلفة واستهلاك الطاقة وصعوبة تطبيقها على نطاق واسع. ومن بين هذه الحلول، تبرز تقنية الامتزاز كخيار واعد بفضل بساطتها وكفاءتها وانخفاض تكلفتها النسبية، حيث تعتمد على التقاط الملوثات على سطح مواد ماصة متخصصة.
الفحم الحيوي يستخدم فى تحويل النفايات إلى حل مستدام كما يُعد الفحم من أكثر المواد الماصة الواعدة في السنوات الأخيرة..ويتم إنتاجه من المخلفات الزراعية أو بقايا الأخشاب والكتلة الحيوية الأخرى من خلال التسخين في بيئة منخفضة الأكسجين. ويتميز ببنية مسامية واسعة ومساحة سطحية كبيرة تجعله قادرًا على احتجاز الملوثات بكفاءة عالية وتوفر المسام الدقيقة للفحم الحيوي مواقع عديدة لالتقاط الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، بينما تسهم التفاعلات الكيميائية بين سطح الفحم والبلاستيك فيتعزيز كفاءة الإزالة.
وقد أظهرت العديدمن الدراسات أن بعض أنواع الفحم الحيوي تستطيع إزالة أكثرمن 90% من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة من المياه الملوثة.
ولا تقتصر مزايا الفحم الحيوي على فعاليته العالية، بل تشمل أيضًا كونه مادة منخفضة التكلفة وصديقة للبيئة،ويمكن إنتاجها محليًا من المخلفات الزراعية المتوافرة التي تُهدر عادةً. كما تهتم الدراسات حاليًا على تطوير أنواع معدلة منالفحم الحيوي بإضافة مجموعات وظيفية أو مواد نانوية لتحسين أدائه وزيادة قدرته على إزالة الملوثات المختلفة.
نظرة مستقبلية
بات من الواضح الآن أن قضية التلوث بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة أصبحت قضية عالمية تتطلبتعاونًا دوليًا وجهودًا متكاملة تجمع بين الوقاية والابتكار العلمي والتشريعات الفعالة. ورغم التقدم الكبيرفي فهم هذه المشكلة وتطوير وسائل معالجتها، لا تزال هناك حاجة إلى فهم أعمق لآثارها طويلة الأمدعلى صحة الإنسان والنظم البيئية، وكذلك لتقييم فعالية التقنيات الحديثة في التطبيقات العملية واسعةالنطاق.
ويمثل الفحم الحيوي نموذجًا واعدًا لكيفية تحويل المخلفات إلى حلول بيئية مستدامة وتحقيق الاقتصاد الدائرى. ومع استمرار الأبحاث وتطوير التقنيات الداعمة وتحسين إدارة النفايات وحملات التوعية العامة والحد من استهلاك البلاستيك، يمكن تقليل المخاطر المرتبطة بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة وحماية الموارد المائية والنظم البيئية للأجيال القادمة.
المقال العلمى برؤية كاتبة
أستاذ باحث مساعد بمعهد بحوث البترول



