مدينة ليدا (ليريدا) الإسبانية تعترف بالإبادة الجماعية للأرمن
فبراير 6, 2026
السفيرة المصرية في أستانا تستقبل سكرتير عام مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا
فبراير 6, 2026

فوانيس

فبراير 6, 2026

 

 

 

بقلم: رينالدي نور تشهيادي

 

 

لا يغرب على كل مسمع كل مواطن مصري ولا يخفى على ذهنه ما يُتعارف عليه بينه وبين إخوته المواطنين من أساليب يتخذونها آلةً لإبداء حفاوتهم بقدوم أية مناسبة سنوية ذات بال, وتعبيرا عن ابتهاجهم بها بشكل عام, خصوصا إذا كان الطقس يمت للدين أو الوطن بصلة, وأريد في هذا المقام أن أركز قلمي على طقس شعبي ينعقد سنويا بالتزامن مع قدوم شهر رمضان باعتباره شهرا مقدسا للمسلمين في هذه البلاد وسائر بلدان العالم بشكل عام.
نصب القناديل الرمضانية -أو ما يطلق عليها المصريون بالفوانيس- على الجدران الممتدة على طول الطرقات والأزقة مصحوبة بأنواع الزخارف الأنيقة هو أبرز ما يعبر به المسلمون عما تكنه أفئدتهم من السعادة بشهرهم الكريم رمضان, واشترك في هذا الطقس جميع أفراد الشعب صغارا وكبارا, بل لم تفت حرارته المواطنين غير المسلمين من خلال ما رأيناه من مظاهر التضامن الودي مع إخوتهم المسلمين.
فهذا الطقس الشعبي بناء على ما يجري في الواقع من الحفاوة المشتركة بين أفراد الشعب بغض النظر عما ينتمون إليه من ديانة واعتقاد لم يعد طقسا دينيا محضا, بل الأجدر به أن يتسع نطاقه إلى الساحة الوطنية؛ وبالتالي يحلو لنا أن نرمز بهذه الفوانيس إلى روح التسامح التي تسود هذا المجتمع قاطبة ونعبر بها عن ابتهاجنا بأن الله منّ علينا بهذا الوعي السامي بأهمية السلام لولاه لاضطرب كيان الوطن ولن يجد استقراره.
عودا على البدء فالقناديل التقليدية بشكل عام أعتبرها رمزا للتسامح العالمي إلى جانب كونها إحدى وسائل التعبير عن السرور وإمتاع النظر, لقد مر بنا في الفقرة السالفة الحديث عن الفوانيس الرمضانية السائدة في أوساط المواطنين المصريين, وتبين لنا مدى حفاوتهم بوجه عام بعيدا عن دياناتهم واتقاداتهم مما ينبئ عن مظاهر التسامح الحقيقية, حان الآن أن ننتقل إلى الحديث عما يدور في شقيقة جمهورية مصر, وهي بلادي الحبيبة أولا وآخرا, ترعرعت في كنفها, وأكلت من خيراتها, لا تضن أرضها بشيء من ثرواتها, فهي وطني الأول إندونيسيا, وتليها مصر حيث أروى بحياض ثقافتها وأستخرج من بحارها لآلئ معارفها.
تعقد الجاليات الصينية المنتشرة في أقطار أرض إندونيسيا سنويا طقوسهم العرقية, فالصينيون الأعراق المقيمون في هذه البلاد فرضوا على أنفسهم إقامة هذه الطقوس تبعا لما توارثوه من أجدادهم, واتسمرت على نفس الأسلوب والنمط من غير أن يطرأ عليها ملامح التغيير لعدة قرون, واللافت للانتباه أن هذه الطقوس لا تميزهم اعتقادا؛ فكثير منهم الذين اعتنقوا الإسلام وغيره من الديانات غير ديانة أجدادهم الأوائل لم يزالوا ملتزمين بهذه الطقوس, وأكثر من ذلك لفتا للانتباه أن سائر إخوانهم الإندونيسيين ممن لا ينتمون إلى عرقهم لا يرون بأسا في مشاركتهم الطقوس بالذات, بل يبدون في خضم ذلك ابتهاجهم بتضامنهم جنبا إلى جنب في إعمار مجريات الفعاليات التي تكتنفها هذه الطقوس.
يتصدر هذه الفعاليات نصب القناديل التقليدية الصينية أو ما تعرف ب(لامبيون الصينية), وهي تمتاز بلونها الأحمر الزاهي, تعلق غالبا على جدران المعابد البوذية نظرا إلى أنها أكثر الديانات يعتنقها أفراد الجاليات الصينية الذين يقيمون في شتى أصقاع هذه البلاد, وتنصب إلى جانب ذلك على بوابات الحارات وعلى طول الأزقة والطرقات, شأنها شأن الفوانيس السالفة الذكر, ترمز هذه القناديل على حد عرف الصينيين إلى الفلاح والرخاء, وما يجري في الواقع يعكس اتساع نطاق ذلك لدرجة ما ترمز إليه الفوانيس المشار إليه منذ لحظة من التقائ هما في نقطة التسامح والسلام؛ فالرخاء لن يتحقق إلا بالتسامح, وكذلك السعادة, والأمن, والاستقرار الاجتماعي, وسائر مظاهر التقدم المدني مرهونة بالتسامح وعالة عليه لا محالة.
فروح التسامح السامية يجب أن تغرس في نفس كل فرد منذ نعومة أظافره, وهي على الإطلاق تظللها مظلة الوعي المدني الذي من الضرورة تلقينه على مسامع الناشئين في جميع دول العالم وترسيخه في أفئدتهم ليحملوا أعباء مستقبل الأوطان على عواتقهم بأحسن وجه.