بقلم : الدكتور عادل رحومة
رئيس منظمة الاتحاد العربى لتنمية المجتمعات العمرانية
يشكّل المجتمع المدني أحد الأعمدة الأساسية في مسيرة التنمية الوطنية، إذ يمتلك قدرة حقيقية على التأثير الإيجابي في الواقع الاجتماعي، وتعزيز المشاركة المجتمعية، ودعم جهود الدولة في مختلف المجالات. ومع تصاعد الاهتمام بقضايا التنمية المستدامة في العالم العربي، برزت منظمات فاعلة تسهم في دعم المجتمعات المحلية وتمكينها، وفي مقدمتها منظمة الاتحاد العربي لتنمية المجتمعات العمرانية التي تمثل نموذجًا متكاملًا للعمل التنموي القائم على الاستدامة والشراكة.
يُعرَّف المجتمع المدني بأنه منظومة من الجمعيات والمؤسسات والهيئات غير الحكومية التي تنشأ بمبادرات أهلية وتعمل خارج الإطار الحكومي، بهدف خدمة المجتمع وتعزيز قيم المواطنة والمشاركة. ويلعب هذا القطاع دورًا حيويًا في فتح المجال أمام المواطنين للمساهمة في صنع القرار المحلي، ورصد احتياجات المجتمعات بدقة، واقتراح حلول عملية تتناسب مع طبيعة كل بيئة. كما يسهم في نشر الوعي بالحقوق الأساسية، ودعم الفئات الأولى بالرعاية، إلى جانب تنفيذ برامج تنموية في مجالات التعليم والصحة وتمكين الشباب والمرأة، وبناء شراكات فاعلة مع القطاعين العام والخاص.
وتُعد التنمية المستدامة الإطار الأشمل الذي تتحرك في نطاقه جهود المجتمع المدني، حيث تقوم على تحقيق توازن دقيق بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بما يضمن تلبية احتياجات الحاضر دون الإضرار بحقوق الأجيال القادمة. وتشمل أهدافها القضاء على الفقر، وتحسين جودة التعليم والرعاية الصحية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وحماية البيئة، ودعم النمو الاقتصادي الشامل.
وفي هذا السياق، تبرز منظمة الاتحاد العربي لتنمية المجتمعات العمرانية كجهة عربية غير حكومية تسعى إلى تعزيز مفاهيم التنمية المستدامة داخل المجتمعات العمرانية في المنطقة العربية. وتعمل المنظمة على تمكين المجتمعات من تطوير بيئات معيشية أفضل، وتقليل الفجوات التنموية بين المناطق، عبر مبادرات وبرامج تستند إلى التخطيط العلمي والرؤية الاستراتيجية.
وتتجلى مساهمات المنظمة في عدة محاور رئيسية، أبرزها دعم التخطيط العمراني المستدام من خلال تطوير رؤى عمرانية تراعي الاعتبارات البيئية والاجتماعية، وتشجيع استخدام الموارد المستدامة في مشروعات البنية التحتية، ومساندة المجتمعات في مواجهة تحديات التوسع الحضري غير المنظم. كما تولي اهتمامًا بتمكين الفئات الاجتماعية عبر برامج تدريبية للشباب في ريادة الأعمال، ودورات للحرف اليدوية لدعم المرأة اقتصاديًا، إضافة إلى مبادرات توعوية في مجالي الصحة والتعليم.
ولم تغفل المنظمة البعد البيئي، حيث تتبنى مشروعات لنشر ثقافة إعادة التدوير، ودعم المبادرات الخضراء، والحفاظ على الموارد الطبيعية داخل التجمعات العمرانية. كما تسعى إلى توسيع نطاق تأثيرها من خلال بناء شراكات مع الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، والعمل على جذب الدعم الفني والمالي لتنفيذ برامج تنموية مستدامة.
ورغم ما تحققه من إنجازات، يواجه المجتمع المدني تحديات متعددة، من بينها محدودية الموارد المالية، والحاجة إلى بيئة تشريعية أكثر دعمًا، وصعوبة الوصول إلى بعض الفئات المهمشة. ومع ذلك، يظل دوره محوريًا في تحريك عجلة التنمية، وابتكار حلول مجتمعية مستدامة.
في المحصلة، يمثل المجتمع المدني شريكًا لا غنى عنه في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال تفعيل المشاركة المجتمعية وتعزيز العدالة الاجتماعية. وتأتي منظمة الاتحاد العربي لتنمية المجتمعات العمرانية كنموذج عربي يعكس أهمية العمل المؤسسي المنظم في بناء مجتمعات أكثر استدامة وازدهارًا، حيث يبقى التكامل بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص هو الطريق الأمثل نحو مستقبل تنموي شامل ومستدام.




