كتبت: فاطمة بدوى
القى وزِيرِ الشُّؤُونِ الدِّينِيَّةِ لِجُمْهُورِيَّةِ إِنْدُونِيسِيَا كلمة خلال مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
مَعَالِي وَزِيرِ الأَوْقَافِ بِجُمْهُورِيَّةِ مِصْرَ العَرَبِيَّةِ،
أَصْحَابَ المَعَالِي وَالفَضِيلَةِ،
السَّادَةَ العُلَمَاءَ وَالمُفَكِّرِينَ وَالبَاحِثِينَ،
أَيُّهَا الحُضُورُ الكَرِيمُ،
يَسُعِدُنِي وَيُشَرِّفُنِي أَنْ أُشَارِكَكُمْ هٰذَا المُؤْتَمَرَ الدُّوَلِيَّ المُهِمَّ، وَأَنْ أَنْقُلَ إِلَيْكُمْ تَحِيَّاتِ فَخَامَةِ رَئِيسِ جُمْهُورِيَّةِ إِنْدُونِيسِيَا، وَتَقْدِيرَ شَعْبِهَا وَحُكُومَتِهَا لِجُمْهُورِيَّةِ مِصْرَ العَرَبِيَّةِ، قِيَادَةً وَشَعْبًا، وَلِمَا تَضْطَلِعُ بِهِ مِنْ دَوْرٍ تَارِيخِيٍّ فِي خِدْمَةِ الإِسْلَامِ، وَنَشْرِ الوَسَطِيَّةِ، وَتَعْزِيزِ قِيَمِ الِاعْتِدَالِ وَالعُمْرَانِ.
وَأَوَدُّ فِي البِدَايَةِ أَنْ أَتَقَدَّمَ بِخَالِصِ الشُّكْرِ وَالتَّقْدِيرِ لِفَخَامَةِ الرَّئِيسِ عَبْدِ الفَتَّاحِ السِّيسِي عَلَى رِعَايَتِهِ الكَرِيمَةِ لِهٰذَا المُؤْتَمَرِ، كَمَا أَشْكُرُ أَخِي وَزَمِيلِي مَعَالِي الأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ أُسَامَةَ السَّيِّدِ الأَزْهَرِي، وَزِيرَ الأَوْقَافِ، رَئِيسَ المَجْلِسِ الأَعْلَى لِلشُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ، عَلَى اخْتِيَارِ هٰذَا العُنْوَانِ العَمِيقِ وَالدَّقِيقِ:
“المِهَنُ فِي الإِسْلَامِ: أَخْلَاقِيَّاتُهَا، وَأَثَرُهَا، وَمُسْتَقْبَلُهَا فِي عَصْرِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ”.
وَيَسُعِدُنِي فِي هٰذَا المَقَامِ أَنْ أُعَبِّرَ عَنْ بَالِغِ تَقْدِيرِي لِمَعَالِيهِ عَلَى مَا لَمَسْتُهُ مِنْ أُخُوَّةٍ صَادِقَةٍ وَتَوَاصُلٍ كَرِيمٍ، إِذْ كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَفَضَّلَ بِزِيَارَتِي فِي مَكْتَبِي، مُهَنِّئًا، بَعْدَ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَقَطْ مِنْ تَكْلِيفِي بِمَنْصِبِ وَزِيرِ الشُّؤُونِ الدِّينِيَّةِ فِي جُمْهُورِيَّةِ إِنْدُونِيسِيَا، وَهُوَ مَوْقِفٌ أَعْتَزُّ بِهِ، وَأَعُدُّهُ تَعْبِيرًا صَادِقًا عَنْ عُمْقِ العَلَاقَاتِ الأَخَوِيَّةِ، وَعَنْ رُوحِ التَّعَاوُنِ الَّتِي نَرْجُو أَنْ تَتَعَزَّزَ بَيْنَ مُؤَسَّسَاتِنَا الدِّينِيَّةِ فِي خِدْمَةِ الإِسْلَامِ وَالإِنْسَانِيَّةِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ،
إِنَّ اخْتِيَارَ مَوْضُوعِ المِهَنِ فِي الإِسْلَامِ اخْتِيَارٌ وَاعٍ وَاسْتِشْرَافِيٌّ، يَعْكِسُ رُؤْيَةً بَعِيدَةَ المَدَى؛ فَهُوَ لَيْسَ اخْتِيَارًا تِقَنِيًّا أَوْ جُزْئِيًّا، بَلْ هُوَ اخْتِيَارٌ حَضَارِيٌّ وَأَخْلَاقِيٌّ، فِي مَرْحَلَةٍ دَقِيقَةٍ حَرِجَةٍ مِنْ تَارِيخِ الإِنْسَانِيَّةِ، تَتَسَارَعُ فِيهَا التَّحَوُّلَاتُ، وَتَتَغَيَّرُ فِيهَا طَبِيعَةُ العَمَلِ، وَتُعَادُ فِيهَا صِيَاغَةُ العَلَاقَةِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالتِّكْنُولُوجِيَا.
فَفِي الرُّؤْيَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، لَيْسَتِ المِهْنَةُ مُجَرَّدَ وَسِيلَةٍ لِلرِّزْقِ وَالمَعِيشَةِ، بَلْ هِيَ مَسْؤُولِيَّةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ، وَأَمَانَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ، وَمُشَارَكَةٌ وَاعِيَةٌ فِي عِمَارَةِ الأَرْضِ.
وَفِي هٰذَا الإِطَارِ، نُؤَكِّدُ أَهَمِّيَّةَ مَا نُسَمِّيهِ بِالإِيكُوتِيُولُوجِيَا، أَيْ فَهْمِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالبِيئَةِ عَلَى أَسَاسِ الأَمَانَةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ الأَخْلَاقِيَّةِ؛ فَالأَرْضُ فِي الإِسْلَامِ لَيْسَتْ مِلْكًا مُطْلَقًا لِلإِنْسَانِ، بَلْ وَدِيعَةٌ إِلٰهِيَّةٌ، وَإِعْمَارُهَا لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا بِحِفْظِ تَوَازُنِهَا. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ أَيَّ مِهْنَةٍ تُخِلُّ بِهٰذَا التَّوَازُنِ تَكُونُ قَدْ حَادَتْ عَنْ مَقْصِدِ العِبَادَةِ وَغَايَةِ العُمْرَانِ.
أَيُّهَا الحُضُورُ الكَرِيمُ،
لَقَدْ عَبَّرَ مَعَالِي وَزِيرِ الأَوْقَافِ خِلَالَ المُؤْتَمَرِ الصَّحَفِيِّ عَنْ فِكْرَةٍ مَحْوَرِيَّةٍ، حِينَ أَكَّدَ أَنَّ العُمْرَانَ فَرِيضَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ، وَهٰذِهِ الفِكْرَةُ تَجِدُ صَدَاهَا العَمِيقَ فِي فِكْرِ عَدَدٍ مِنْ مُفَكِّرِي الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ المُعَاصِرِينَ، وَفِي مُقَدِّمَتِهِمُ المُفَكِّرُ الجَزَائِرِيُّ الأُسْتَاذُ مَالِكُ بْنُ نَبِيٍّ، الَّذِي نَظَرَ إِلَى الحَضَارَةِ لَا بِوَصْفِهَا تَرَاكُمًا مَادِّيًّا، بَلْ بِنَاءً إِنْسَانِيًّا وَأَخْلَاقِيًّا مُتَكَامِلًا.
فَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الحَضَارَةَ تَقُومُ عَلَى مُعَادَلَةٍ وَاضِحَةٍ: الإِنْسَانُ + التُّرَابُ + الزَّمَنُ = حَضَارَةٌ. وَلٰكِنَّ هٰذِهِ العَنَاصِرَ—كَمَا يُوَضِّحُ—لَا تُؤْتِي ثِمَارَهَا إِذَا لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهَا وَازِعٌ أَخْلَاقِيٌّ وَرُوحِيٌّ، يُوَجِّهُ الإِنْسَانَ، وَيَضْبِطُ غَرَائِزَهُ، وَيَمْنَحُ الزَّمَنَ مَعْنَاهُ، وَيُحَوِّلُ التُّرَابَ مِنْ مَادَّةٍ خَامٍ إِلَى قِيمَةٍ حَضَارِيَّةٍ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مُشْكِلَاتِ التَّخَلُّفِ، وَالتَّبَعِيَّةِ، وَالفَرَاغِ القِيَمِيِّ، لَا تُحَلُّ بِاسْتِيرَادِ مُنْتَجَاتِ حَضَارَةٍ جَاهِزَةٍ، وَلَا بِتَقْلِيدِ نَمَاذِجَ تِقْنِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وَإِنَّمَا تُعَالَجُ بِإِصْلَاحِ الإِنْسَانِ، وَإِعَادَةِ بِنَاءِ عِلَاقَتِهِ بِالقِيَمِ، وَبِالوَقْتِ، وَبِالعَمَلِ.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ،
إِنَّ مَالِكَ بْنَ نَبِيٍّ يُلْفِتُ انْتِبَاهَنَا إِلَى حَقِيقَةٍ بَالِغَةِ الأَهَمِّيَّةِ، وَهِيَ أَنَّ الحَضَارَةَ لَا تَنْهَضُ إِلَّا حِينَ تَسْتَيْقِظُ الفِكْرَةُ الدِّينِيَّةُ فِي ضَمِيرِ الإِنْسَانِ، لَا بِوَصْفِهَا طُقُوسًا جَامِدَةً، بَلْ طَاقَةً أَخْلَاقِيَّةً تَضْبِطُ السُّلُوكَ، وَتُحَرِّرُ العَقْلَ، وَتُوَجِّهُ الغَرِيزَةَ. فَإِذَا غَابَتِ القِيَمُ، تَحَرَّرَتِ الغَرَائِزُ، وَإِذَا تَحَرَّرَتِ الغَرَائِزُ، فَقَدَ الإِنْسَانُ بُوصْلَتَهُ الأَخْلَاقِيَّةَ، وَتَحَوَّلَتِ التِّكْنُولُوجِيَا—مَهْمَا بَلَغَتْ مِنَ التَّقَدُّمِ—إِلَى أَدَاةِ هَيْمَنَةٍ، وَاسْتِعْمَارٍ، وَضَغْطٍ، وَظُلْمٍ، بَدَلَ أَنْ تَكُونَ وَسِيلَةَ خِدْمَةٍ وَبِنَاءٍ. وَهُنَا تَتَجَلَّى خُطُورَةُ المَرْحَلَةِ الَّتِي نَعِيشُهَا اليَوْمَ، فِي ظِلِّ الطَّفْرَةِ الهَائِلَةِ فِي الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ.
أَيُّهَا السَّادَةُ،
إِنَّ التَّحَدِّيَ الحَقِيقِيَّ الَّذِي يُوَاجِهُ المِهَنَ فِي عَصْرِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ لَيْسَ فِي تَطَوُّرِ الخَوَارِزْمِيَّاتِ، بَلْ فِي حِفْظِ إِنْسَانِيَّةِ الإِنْسَانِ. فَالعَالَمُ لَا يَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى مِهَنٍ ذَكِيَّةٍ، بَلْ إِلَى مِهَنٍ أَخْلَاقِيَّةٍ، وَلَا إِلَى كَفَاءَاتٍ تِقْنِيَّةٍ فَحَسْبُ، بَلْ إِلَى ضَمَائِرَ حَيَّةٍ. وَمِنْ هٰذَا المُنْطَلَقِ، فَإِنَّ دَوْرَ الدِّينِ اليَوْمَ هُوَ أَنْ يَكُونَ بُوصْلَةً أَخْلَاقِيَّةً لِلتَّقَدُّمِ، وَضَامِنًا لِكَرَامَةِ الإِنْسَانِ، وَحَارِسًا لِمَعْنَى العَمَلِ فِي عَالَمٍ سَرِيعِ الإِيقَاعِ.
وَفِي إِنْدُونِيسِيَا، بِوَصْفِهَا أَكْبَرَ دَوْلَةٍ إِسْلَامِيَّةٍ مِنْ حَيْثُ عَدَدُ السُّكَّانِ، نَسْعَى إِلَى تَرْسِيخِ هٰذَا الفَهْمِ مِنْ خِلَالِ رَبْطِ التَّعْلِيمِ الدِّينِيِّ بِالقِيَمِ المِهَنِيَّةِ، وَتَعْزِيزِ أَخْلَاقِيَّاتِ العَمَلِ فِي مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ وَالمُجْتَمَعِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، أَوْلَيْنَا اهْتِمَامًا خَاصًّا بِقَضِيَّةِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ وَعَلَاقَتِهِ بِالخِطَابِ الدِّينِيِّ وَالسُّلْطَةِ المَعْرِفِيَّةِ. وَقَدْ أَكَّدَتْ نِقَاشَاتٌ عِلْمِيَّةٌ رَصِينَةٌ شَارَكَ فِيهَا كِبَارُ العُلَمَاءِ وَالمُفَكِّرِينَ فِي إِنْدُونِيسِيَا، أَنَّ الذَّكَاءَ الِاصْطِنَاعِيَّ—عَلَى مَا يَمْلِكُهُ مِنْ قُدْرَاتٍ تَحْلِيلِيَّةٍ هَائِلَةٍ—لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَدِيلًا عَنِ الضَّمِيرِ الدِّينِيِّ، وَلَا عَنِ الِاجْتِهَادِ الإِنْسَانِيِّ، وَلَا عَنِ المَرْجِعِيَّةِ الأَخْلَاقِيَّةِ، فَوَظِيفَتُهُ يَنْبَغِي أَنْ تَظَلَّ فِي إِطَارِ الأَدَاةِ المُسَاعِدَةِ، لَا المَصْدَرِ المُسْتَقِلِّ لِلْفَتْوَى أَوِ التَّوْجِيهِ الدِّينِيِّ.
وَقَدْ شَدَّدَ هٰؤُلَاءِ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّحَدِّيَ الحَقِيقِيَّ لَا يَكْمُنُ فِي اسْتِخْدَامِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ فِي المَجَالِ الدِّينِيِّ، بَلْ فِي كَيْفِيَّةِ ضَبْطِ هٰذَا الِاسْتِخْدَامِ، بِحَيْثُ يَبْقَى الإِنْسَانُ—بِعَقْلِهِ، وَقِيَمِهِ، وَمَسْؤُولِيَّتِهِ الأَخْلَاقِيَّةِ—فِي مَوْقِعِ القِيَادَةِ، وَيَظَلَّ الدِّينُ مَصْدَرًا لِلْهِدَايَةِ وَالمَعْنَى، لَا مَادَّةً تُخْتَزَلُ فِي إِجَابَاتٍ آلِيَّةٍ. فَالسُّلْطَةُ الدِّينِيَّةُ فِي عَصْرِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ لَيْسَتْ سُلْطَةً تِقْنِيَّةً، بَلْ سُلْطَةٌ عِلْمِيَّةٌ وَأَخْلَاقِيَّةٌ، تَقُومُ عَلَى الجَمْعِ بَيْنَ النَّصِّ، وَالعَقْلِ، وَالوَاقِعِ، وَمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، مَعَ وَعْيٍ عَمِيقٍ بِتَحَوُّلَاتِ العَصْرِ وَأَسْئِلَتِهِ الجَدِيدَةِ.
خِتَامًا،
إِنَّ عَالَمَنَا اليَوْمَ لَا يُعَانِي مِنْ نَقْصٍ فِي الخُبَرَاءِ، بَلْ يُعَانِي مِنْ نَقْصٍ فِي القِيَمِ الَّتِي تُوَجِّهُ الخِبْرَةَ. وَلَا يَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى عُقُولٍ مُتَقَدِّمَةٍ، بَلْ إِلَى أَخْلَاقٍ رَاسِخَةٍ، وَمَسْؤُولِيَّةٍ حَضَارِيَّةٍ، وَرُؤْيَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ شَامِلَةٍ.
نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَ هٰذَا المُؤْتَمَرَ، وَأَنْ يَجْعَلَ مُخْرَجَاتِهِ خُطْوَةً صَادِقَةً نَحْوَ خِطَابٍ دِينِيٍّ مُنِننشر كَلِمَةُ وزِيرِ الشُّؤُونِ الدِّينِيَّةِ لِجُمْهُورِيَّةِ إِنْدُونِيسِيَا خلال مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة





